ابو القاسم عبد الكريم القشيري

258

الرسالة القشيرية

وقال أبو بكر المراغي : العاقل من دبر أمر الدنيا بالقناعة والتسويف وأمر الآخرة بالحرص والتعجيل ، وأمر الدين بالعلم والاجتهاد . وقال أبو عبد اللّه بن خفيف : القناعة : ترك التشوف إلى المفقود ، والاستغناء بالموجود . وقيل في معنى قوله تعالى : « لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً » « 1 » يعنى القناعة . وقال محمد بن علي الترمذي : القناعة : رضا النفس بما قسم لها من الرزق . ويقال : القناعة : الاكتفاء بالموجود ، وزوال الطمع فيما ليس بحاصل . وقال وهب : إن العز والغنى خرجا يجولان ، يطلبان رفيقا ؛ فلقيا القناعة ، فاستقرا . وقيل : من كانت قناعته سمينة « 2 » طابت له كل مرقة « 3 » ومن رجع إلى اللّه تعالى على كل حال رزقه اللّه القناعة « 4 » . وقيل : مر أبو حازم بقصاب معه لحم سمين ، فقال : خذ يا أبا حازم فإنه سمين . فقال : ليس معي درهم . فقال : أنا أنظرك . فقال : نفسي أحسن نظرة « 5 » لي منك . وقيل لبعضهم : من أقنع الناس ؟ فقال : أكثرهم للناس معونة ، وأقلهم عليهم مؤونة . وفي الزبور : القانع غنى وإن كان جائعا . وقيل : وضع اللّه تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع : العز في الطاعة ، والذل في المعصية ، والهيبة في قيام الليل ، والحكمة في البطن الخالي ، والغنى في القناعة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ؛ يقول : سمعت نصر بن

--> ( 1 ) آية 58 من سورة الحج . ( 2 ) أي غزيرة كثيرة . ( 3 ) أي رضى بالقليل المتيسر . ( 4 ) وهذه العبارة من قوله : ومن رجع . . ساقطة في بعض النسخ . ( 5 ) أي تاخيرا وصبرا .